الأحجية
في مكتبتي أشعر بسعادة عظيمة ، وفرحة كبيرة ، وكثيرا ما أستعير من ابن تيمية عبارته الشهيرة لأقولها وأنا غارق بين كتبي " لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها " ...
ها قد وقع بين يدي الآن كتاب نفيس اسمه : ( عظماء بلا حدود ) يترجم لمجموعة من المعاصرين ، ولقد شعرت بلذة عجيبة لمـّا رأيته في المكتبة لأول مرة ، ولذة أخرى عند تصفحه قبل شرائه ، وثالثة عند دفع الأموال لاقتنائه ، ورابعة عندما ركبت السيارة وتأكدت من تملكي لهذه النسخة القيمة ، ويعلم الله أنني كلما اقتربت من منزلي زاد شغفي به ، وحبي له ، ورغبتي فيه ، حتى تفردت به في غرفتي الخاصة ، وأغلقت الباب خلفي لا أريد أحدا أيا كان أن ينغص علي خلوتي ... وليست هذه حالتي مع هذا الكتاب فقط ، بل هي حالي مع كل كتاب ، ومن جرب مثل تجربتي عرف معرفتي .
وبدأت ألتهم الكتاب ، وأتلذذ بكل حرف، وفي صدري تموج الخواطر و الأفكار والأمنيات مع سيرة كل عظيم من هؤلاء العظماء ...
ولئن كانت جميعها قد استولى على لبي ، إلا أنه لم يأسرني ويدهشني أكثر من سيرة هذا الرجل العظيم ، وهاكم سيرته :
يقول عن نفسه : " لقد كانت طفولتي عادية رغم أنها لم تخلو من آلام عديدة ، ومتاعب شتى ، وتجارب متنوعة ، يغلب عليها الطابع الحزين ، وما يستحق أن أذكره هنا في هذا الموضع من مذكراتي أنني بدأت أقبل على قراءة القصص في الصف الخامس الإبتدائي تقريبا ، ومنذ ذلك الحين وأنا أزداد شغفا بالقراءة يوما بعد يوم ، صحيح أني لم أجد التوجيه المناسب تجاه المواضيع والكتب التي أنتقيها إلا أن ما يسليني هنا أنني أحببت القراءة ، هكذا استمرت حالي حتى أنهيت المرحلة المتوسطة ، وفي المرحلة الثانوية بدأ يتكون أمامي الهدف ، لكن غياب الموجه كان له دور أساسي في ضعف الهمة ، والجهل بطبيعة الطريق ، وعدم معرفة النافع والمفيد ، وأكثر ما يميز هذه المرحلة هو إقبالي على حفظ كتاب الله تعالى ، حتى أتممته ولله الحمد والمنة ...
وعلى عتبات الجامعة ، كان التحول للقبلة ، نعم قبلة العلم والدين ، فتوجهت للعلم الشرعي ونهلت منه ، ثم بدأت أتوسع في المجالات الدعوية والتربوية ثم المجالات أدبية ، ثم المجالات ثقافية متنوعة .
مضت علي سنوات الجامعة كلمح البصر ، ولقد كنت ألحظ عناية الله عز وجل بي ورعايته لي في كل قرار أتخذه وفي كل حالة أنتقل إليها ، وكثيرا ما كنت أحمد الله تعالى أن يسر لي في هذه المرحلة الموجه الناصح ، والصاحب الصادق ، وكذا المعين على فهم معالم الطريق ... طريق الهداية.
وانطلقت بعد الجامعة نحو الأمل والمستقبل ، تحدوني آمال عظيمة ، وطموحات كبيرة ، في تقديم شيء لأمتي الإسلامية، صحيح أنني لم أكن متأكدا من صفاء نيتي ، إلا أنني عرفت أن التوقف لا يفيد ، وأن مجاهدة النفس عملية لا تعرف التوقف.
بدأت انتسابي لإحدى الجامعات الشرعية في بلدي ، ودرست حتى حصلت على الدكتوراه ، وخلال مرحلتي الجامعية تزوجت ورزقت بابنتين – أمامة و ورقاء - وولد أسميته وهب ، فأنا من ذلك الحين أبو أمامة " انتهى حديثه عن نفسه.
والآن تتحدث أعماله ، يقول صاحب ( عظماء بلا حدود ) : " أسس أثناء فترة انتسابه مؤسسة لتوعية الناس بالقرآن الكريم ، ودوره في دعم مسيرة النهضة الإسلامية ، وضرورة الرجوع إليه في النوازل ، ومن الصعب علينا حصر الجهود التي بذلها فمن لقاءات مع العلماء لتوضيح وإبراز القضية حتى يجعل منها حديث الساعة إلى ندوات بين العلماء للحديث عن الطرق والآليات إلى برامج تلفزيونية لتفسير القرآن ودعوة عموم الناس للمشاركة بالفوائد من الآيات وربطها بواقعهم إلى كتب وإصدارات إما من تأليفه أو من تأليف الآخرين ولعل أبرزها كتابه " تهيئة العقل " أو " دور القرآن في تهيئة العقل المسلم للمكانة الحضارية المطلوبة " ولا تسل عن الإعلانات والدعايات و الملصقات التي أدت دورها في توعية العامة ، وكذا التنسيق مع الدعاة والخطباء للحديث عن الموضوع ... ولا يسعفنا المزيد .
وبعد حصوله على شهادة الدكتوراه ، كانت إثنينيته التي تضم نخبة من المثقفين والعلماء المؤثرين في المجتمع لمناقشة قضايا المجتمع السابقة اللاحقة ، حقيقة لم تكن إثنينيته هذه مجرد جلسة نقاش ينفض منها المجلس ويقال قوموا مغفورا لكم !! ، بل كانت كذلك وزيادة ، فأعظم ما حققت تحفيز شريحة كبيرة من أساتذة الجامعات والمتخصصين - على مختلف تخصصاتهم – الذين لم يشتغلوا إلا بالتدريس الأكاديمي ، ولقد استطاع بتوفيق الله عز وجل تنشيط هذه الشريحة النائمة – إن صح التعبير – وتحريكها للبذل ، ونشر العلوم المختلفة ، فأصبحت المساجد منابر علم ونور وهداية كما كانت في سابق عهدها ، فلم تعد تقتصر على العلوم الشرعية بل أصبح فيها دروس الأدب ، والفكر ، والدعوة ، كما أقيمت فيها حلقات لتعليم اللغات الأجنبية ، وعلوم الرياضيات والأحياء والفيزياء وغيرها بجانب حلقات القرآن الكريم ... والسبب كلماته للمدرسين وغيرهم وحثه لهم على البذل والتضحية .
ومن أقواله المأثورة " لا ينبغي لعاقل أن يتعلم علما نافعا دون أن يحوله إلا حركة تجلو ظلام الدنيا وتحسن من واقع الحياة".
ومن آثاره أيضا : تفعيل المكتبات العامة وإقامة الندوات الثقافية والعلمية بها ، وتحسين وسائل جذب الناشئة لها.
وهكذا انقضت حياة الرجل ، وهو يسعى سعيا حثيثا نحو بناء مجد مؤثل لأمة تستحق السيادة ، لقد كانت رؤيته في الحياة واضحة تنطلق من جمع الجهود ، وإثارة العزائم ، لبناء صرح شامخ معتمدا على العلم ، مهتديا بهدي الكتاب والسنة .
( يقطع الصمت : طرق الباب ، بطريقة مزعجة : أوووه من هذا ، لابد أنه أخي الصغير ... )
- ماذا تريد ؟
- أمي تنادي عليك لها ساعة ، وأنت لا ترد عليها.
- ذهبت لأمي مسرعا محاولا تقليل الإصابات والشتائم قدر الإمكان ، فليست هذه أول مرة.
- دخلت على أمي ، وجدتها تكلم بالهاتف تعجبت ! أمي ... أمي ... هي أيضا لا ترد ، غريب !! لقد فعلها الصغير ودخل مكتبي ...
رجعت غرفتي ، وجدت أخي يمسك بالكتاب ويقرأ غلاف الكتاب بصوت عالي يحاول أن يتعلم القراءة :(( عظماء بلا حدود ، تأليف : همام بن الحارث ، طبعة الدار الأولى ، الطبعة الأولى عام 1485 هـ )).
كتبها بدر الإسلام في 01:17 مساءً ::
اللة اية الجمال دة بجد طريقة مبدعة فى تصريف المعانى من كتر حبى للكلام ياريتك كنتى كتبتى جزء من كلمات حبيبك قصدى كتابك الجميل
...
رائع رائع جداً يا بدر :)
أعجبني الأسلوب
كن هو...
ما ذلك على الله بعزيز..
...
طالما أنك قرأت الكتاب فيمكنك أن تهديني إياه ..
وأيضاً من أجل أن أرجع لك كتاب المدارج، الذي يبدو أنك نسيت أمره :)
أسلوبك خطير ..
إلى الأمام بدر الإسلام.
حقاً إبداع..
القصة جميلة جداً، مفاجأة الزمن في آخرها جعلتها أجمل..
من له مثل هذه القصة، لا شك أن له باعاً في الثقافة.
أخوك/ وثاب
حياك الله أخي وثاب ..
وشكرا على ملاحظتك القيمة ، ملاحظة إيجابية ، طبعا .
ولعلك تكون هــو ..
